الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

358

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

وجه ما انتهى إليه بصره من خلقه " فهداه عليه السّلام إلى مقام الفناء والبروز من وراء حجب الصفات إلى عرصة كشف الذات ، فلم يكتف بذلك لوفور قوة استعداده وعلمه بأن ذلك الكشف قد يكون مع كون صاحبه في مقام التلوين . ولا يدل على مقام الوحدة إلا بالالتزام وإن الذات الأحدية لا تخلو عن الصفات التي تلزمها دائما واستزاد البيان ، فقال عليه السّلام : " محو الموهوم مع صحو المعلوم " فأشار عليه السّلام بالأول إلى أنّ التلوين إنما يكون بحسبان صاحبه وجود غيره بالتوهم ، وليس في الحقيقة وجود غيره ، وليس في الحقيقة وجود الغير إلا نقشا موهوما استقر ورسخ باستيلاء قوة الوهم وسلطان الشيطان علىّ القلب ، فمن أخلصه اللَّه تعالى من غباره محا عنه ذلك الوجود الموهوم ، الذي ليس إلا نقشا خاليا لا وجودا حقيقيا يحتاج إلى الفناء . ولهذا قال بعض العرفاء : الباقي باق في الأزل والفاني فإن لم يزل ، وبالثاني إلى أن الإبهام اللازم للدلالة الالتزامية هيهنا إنما يكون لسلطنة القوة العقلية واعتبار العقل تكثر الصفات ، وامتناع عروجه عن الحضرة الواحدية إلى الحضرة الأحدية ، فمن عرف الحق بالطريق العلمي لم يخلص عن حجب الصفات إلى عين الذات ، ولم يرتق عن الحضرة الواحدية إلى عرصة الأحدية ، فلا تنكشف الحقيقة إلا لمن عزل عقله بنور الحق وجنّ بالجنون الإلهي . كما قال الإمام جعفر الصادق عليه السّلام : " العشق جنون إلهي ، " فصحا معلومه عن مقام كثرة الصفات وصفا عن كدورة الاعتبارات ، وارتفعت الكثرات العقلية عنه بنور العشق الحقيقي والحب الذاتي ، حتى بلغ صاحبه مقام الإخلاص الذي أشار إليه عليه السّلام بقوله : " وكمال الإخلاص نفي الصفات عنه " إلى آخره ، فصار علمه عينا ، وتوحيده حقا وشهودا وعيانا لا علما وبيانا ، ولمّا نفي سلطان الوهم والعقل وطروهما عن طريق الحق عرف السائل أن ذلك لا يكون إلا بظهور سلطان العشق ، وذلك لا يكون اختيارا ولا منوطا بسعي السالك وإرادته . فأشكل ذلك عليه فطلب زيادة الوضوح ،